روزنة تشارك في تحقيقات “بنما”: كيف التف النظام السوري على العقوبات؟

أبريل 8, 2016 0

 

شاركت مؤسسة روزنة للإعلام، في تحقيق استقصائي مستند على وثائق “بنما” المسربة مؤخراً. ويظهر التحقيق أسماء أشخاص وشركات مشتبه بهم كممولين للإرهاب وداعمين للنظام السوري من خلال تزويده بوقود الطائرات الحربية التي كانت تلقي البراميل المتفجرة على عدة مناطق في سوريا.

وكانت روزنة المؤسسة السورية الوحيدة التي عملت مع الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين لإنجاز هذا التحقيق، عبر مجموعة من الصحفيين والمواطنيين الصحفيين الذين فضلوا عدم الكشف عن أسمائهم.

في صباح أحد الأيام منتصف عام 2014، قبل أن تصل الشمس إلى ذروتها في الصيف، كان رجلان مسنان في حلب شمال سوريا، يجلسان على مقاعد بلاستيكية، ويتحدثان بهدوء ويحتسيان القهوة.

أمام كشكه الخاص ببيع المواد الغذائية، كان صبري وحيد عصفور وصديقه أبو ياسين يراقبان جيرانهم المتوجهين لأعمالهم.

فجأة، سقطت البراميل المتفجرة على الأرض مخلفةً أضراراً كبيرة في عدد من الأبنية السكنية. وبعد ثوان، انفجرت، وأرسلت آلاف الشظايا، المسامير، والقضبان الحديدية في كل الاتجاهات. هذه البراميل تم تصميمها خصيصاً لإحداث أكبر قدر من الأضرار البشرية.

عندما ارتفع الدخان، وصل صبري عصفور إلى صديقه أبو ياسين. “نظرت إلى صديقي بعد أن استعدت بصري، فرأيت جسده ممزقاً”، يتذكر عصفور “كان يلفظ أنفاسه الأخيرة”.

وكان هذا هجوماً واحداً من مئات الهجمات الجوية التي نفذها طيران النظام السوري خلال الصراع الدائر في سوريا، والذي أسفر عن مقتل الآلاف.

الحملة الجوية التي شنها طيران النظام على مختلف المناطق في البلاد، لم تكن ممكنة دون دعم شبكة من الشركات التي تراوغ العقوبات الدولية وتقوم بتزويد النظام السوري بالنفط والغاز للحفاظ على وجود الطائرات الحربية في السماء.

تدعي الولايات المتحدة الأميركية، أن ثلاث من الشركات التي ساعدت في توريد الوقود، هم عملاء شركة خدمات قانونية عالمية (فونسيكا وشركاه)، والتي ساعدت الشركات وحافظت على فروعها في الخارج في جزر سيشيل في المحيط الهندي، والتي تعتبر ملاذاً ضريبياً.

واستمرت شركة الخدمات القانونية موساك فونسيكا، بالعمل مع شركة واحدة على الأقل من هذه الشركات المرتبطة ارتباطاً وثيقاً، بعد أن تضمنت القائمة السوداء التي وضعتها الحكومة الأمريكية الشركات الثلاث، بسبب دعم آلة الحرب السورية، بالإضافة إلى عشرات العملاء لفونسيكا، والذين يخضعون لعقوبات من قبل مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأميركية.

موساك فونسيكا التي تتخذ من بنما مقراً لها، ولديها مكاتب في جميع أنحاء العالم، كانت قد عملت مع ما لايقل عن 33 شخصية وشركة كانوا موجودين على قائمة مكتب مراقبة الأصول الأحنبية التابع لوزارة الخزانة الأميركية، بحسب محلل للملفات الداخلية التي تم إعدادها من قبل محققين صحفيين، وهم من صحيفة “Süddeutsche Zeitung” الألمانية، وشركاء إعلاميين آخرين.

في بعض الحالات، الأفراد والشركات يتم إيقافهم عن العمل مع موساك فونسيكا قبل أن تفرض عليهم العقوبات، وفي حالات أخرى: يتم فرض العقوبات مباشرة أثناء نشاط العملاء.

استعرض شركاء التقارير أكثر من 11.5 مليون وثيقة -رسائل بريدية، حسابات للزبائن، وسجلات مالية- والتي تكشف أعمال موساك فونسيكا الداخلية منذ عام 1977 حتى كانون الأول 2015.

وتظهر التقارير أن موساك فونسيكا ربحت الأموال من الشركات الوهمية لسنوات، والتي كانت تستخدم من قبل أشخاص مشبوهين بكونهم إرهابيين أو مجرمي حرب في الشرق الأوسط. تجار وتاجرات مخدرات في المكسيك، غواتيمالا، وشرق أوروبا. ناشرون لأسلحة الدمار الشامل (النووي) في إيران وكوريا الشمالية، وتجار أسلحة في جنوب أفريقيا.

“إنها تبدو تقريباً مثل الانتحار، شركة تقبل التعامل مع كل هؤلاء الأشخاص السيئين”، يقول جيسون شيرمان وهو أستاذ في كلية العلوم السياسية في جامعة غريفيث في أستراليا ومشارك في تأليف الدراسة الرائدة عن الشركات المجهولة. “حتى لو بدت لك فكرة ساخرة، إلا أنهم سيترددون كثيراً قبل أن يتعاملوا مع كيانات تم فرض العقوبة عليها من قبل الولايات المتحدة الأميركية”.

موساك فونسيكا تنفي الإثم

متحدث باسم موساك فونسيكا، أخبر الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين، أن الشركة تعتمد على وسطاء مثل البنوك وشركات الخدمات القانونية الأخرى لإعادة النظر في خلفيات العملاء الذين يلجؤون إلى موساك فونسيكا.

ومن المفترض أن يقوم هؤلاء العملاء بإبلاغ الشركة بأسرع وقت ممكن عن معلومات العميل، وفيما إذا كان اسمه موجوداً على لائحة العقوبات.

وقال المتحدث: “لدينا الإجراءات الخاصة بنا لتحديد هؤلاء الأفراد إلى حد ما، والوقت الذي يأخذه فك الارتباط مع العميل يختلف بحسب الاختصاص، وبعض السلطات تتطلب أن يبقى العميل لمنع التضارب مع التحقيقات”.

 

وأضاف المتحدث: “موساك فونسيكا لم تكن تعرف أنه يتم استخدامها  من قبل أشخاص لديهم أي علاقات مع كوريا الشمالية أو زيمبابوي أو سوريا أو أي بلد آخر كان قد أدرج في قائمة العقوبات، وإذا اكتشفت أنها مثلت شركة ما استخدمت لغايات غير قانونية؛ فإن شركة الخدمات القانونية ستتخذ إجراءات مناسبة تكون معقولة بالنسبة لنا للتعامل مع القضية”.

وقود الحرب

مكتب مراقبة الأصول الأجنبية -وحدة تنفيذ القائمة السوداء لوزارة الخزانة الأميركية- أعلن سلسلة عقوبات في عام 2014 تمنع المواطنين الأميركيين من التعامل مع الشركات والأشخاص المشكوك بأمرهم بأنهم يدعمون النظام السوري.

إحدى الشركات كانت “بانغيتس” العالمية المحدودة، وهي شركة بترول مقرها الرئيسي في الإمارات العربية المتحدة، وكانت تتعامل مع موساك فونسيكا لأكثر من عقد من الزمن.

وقام مكتب مراقبة الأصول الأجنبية، بوضع شركة “بانغيتس” على القائمة السوداء في تموز 2014، متهماً إياها بأنها دعمت النظام السوري بأكثر من 1000طن متري من “الأفغاز”، وهو وقود لتشغيل الطائرات الحربية. ويقول نيك دي لارينغا، وهو محرر في “Jane’s Defence Weekly Europe”، “بالتأكيد أي سلاح جوي سوري يستخدم الأفغاز”.

وتعتبر شركة “بانغيتس”، جزءا من مجموعة عبد الكريم، وهي شركة سورية كبيرة مكاتبها في دمشق. وكان مكتب مراقبة الأصول الأجنبية، قام بفرض عقوبات على اثنين من عملاء موساك فونسيكا، ممن لهم علاقات وثيقة مع شركات عبد الكريم، والشركات هي: “ماكسيما ميدل ايست ترايدينغ” و”مورغان اديتيفز”.

وقام المكتب أيضاً بفرض عقوبات على شخصين متصلين بهذه الشركات، وهما: “أحمد برقاوي” وهو المدير العام لشركة “ماكسيما”، و”وائل عبد الكريم”، المدير العام لشركة “بانغيتس”، حيث يقال إن وائل عبد الكريم “عمل على ترتيب العديد من شحنات الوقود الأساسية والبنزين لدعم الطيران الحربي في سوريا”.

ووفقاً لمكتب مراقبة الأصول الأجنبية، فإنه في شهر حزيران عام 2014، كانت كل من “بانغيتس” و”ماكسيما” وشركات عبد الكريم، قد عملوا مع شركة وقود روسية للحصول على الوقود اللازم للمصافي التي يسيطر عليها النظام السوري.

ممثل شركة “مورغان”، قال للاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين، إن “إضافة الشركة للقائمة السوداء كان خطأ في الأساس”، مشيراً إلى أن “برقاوي كان قد استقال من منصب المدير العام قبل أن يوضع اسمه في القائمة السوداء، أما عبد الكريم فقد استقال بعد إعلان العقوبات”، وأضاف “شركة مورغان حالياً لم تعد ملكاً لوائل عبد الكريم”.

الشركات والأشخاص الآخرين الذين فرضت عليهم العقوبات ممن كانوا على علاقة مباشرة بدعم الطيران الحربي التابع للنظام السوري، لم يجيبوا أبداً على الأسئلة المطروحة عليهم ولم يعلقوا على الموضوع عن طريق البريد الالكتروني أو الهاتف.

وفي تعليق سابق لها على الإعلام، اعترفت شركة “بانغيتس” بتوصيل وقود الطائرات إلى سوريا، ولكنها ادّعت أنها لم تكن على دراية بوجهة الشحنات أو الغرض منها.

وفي تصريح لوكالة “رويترز”، قالت: “نحن نبيع لشركات غير سورية ممن ليسوا على قائمة العقوبات الإماراتية أو الأميركية”، وأضافت “نحن لا نعرف بالنهاية من يستخدم الوقود، ولكن حسب علمنا الوقود يستخدم لأغراض إنسانية”.

الملفت السرية أوضحت علاقة “بانغيتس” مع “موساك فونسكا”، التي بدأت عام 1999، عندما قامت شركة الخدمات القانونية بإدراج فونسيكا في جزيرة نيوي في المحيط الهادي، حيث كانت فونسيكا لها حقوق حصرية بتأسيس شركات في الخارج.

عندما قامت السلطات في نيوي بإغلاق مكاتب التسجيل في الخارج عقب شكاوى حول غسيل أموال محتمل، نقلت حينها “بانغتس” إلى دولة ساموا، وفي عام 2012 انتقلت إلى جزيرة سيشل، وفي هذه المرحلة كانت قد بلغت قيمة الشركة 7.5 مليون دولار.

بعد تسعة أشهرمن فرض العقوبات الأميركية على “بانغتس”، كانت موساك فونسيكا ما زالت تتداول أوراق الشركة، مصرحين بأنها كانت شركة سيشلية بوضع قانوني، بعد ذلك استمرت فونسيكا بمساعدة “بانغتس” على إغلاق أعمالها في سيشل وأرسلت لها  فاتورة بقيمة 1100 دولارلتغطية عمولتها مقابل هذه الخدمة، وطلبت من “بانغتس” أن تحول لها النقود عبر الانترنت أو عن طريق حساب فونسيكا البنكي في نيويورك.

حتى آب 2015، لم يكن قد مضى أكثر من عام على العقوبات المفروضة على “بانغتس”، حين اعترفت فونسيكا بقائمة العقوبات وسارعت للحصول على تفاصيل الملكية، من فواتير الخدمات أو أي معلومات محددة عن مدراء “بانغتس” في دبي وشركة “ماكسيما” في الشرق الأوسط. وقامت فونسيكا أخيراً بالإقرار بأن هذه الشركات كانت على قوائم العقوبات الدولية في آب 2015.

ابن خال الأسد

أظهرت الوثائق المسربة من شركة الخدمات القانونية موساك فونسيكا، أن الأخيرة عملت أيضاًمع رامي مخلوف، و هو ابن خال الديكتاتور “بشار الأسد”.

في وقت مبكر من عام 2008، كانت وزارة الخزانة الأميركية قد عرفت رامي مخلوف على أنه جزء من النظام السوري ومستفيد بشكل غير صحيح ويساعد في الفساد العام لمسؤولي النظام، ثم قامت الخزانة الأميركية بتجميد حسابات رامي مخلوف البنكية في أميركا ومنع الشركات أو الأشخاص من التعامل معه.

فيما بعد، وفي ذلك العام، أعلن على نطاق واسع عن قيام الولايات المتحدة الأميركية بإدراج بعض شركات رامي مخلوف على قائمة العقوبات.

كل هذا تغير في عام 2010 عندما طلبت السلطات في جزر العذراء البريطانية، معلومات عن شركة “دريكس” للتكنولوجيا، وهي شركة تابعة لرامي مخلوف كانت مندمجة مع موساك فونسيكا لعدة سنوات.

الموظفون في موساك فونسيكا، بحثوا عن معلومات كانت قد عممت على نطاق واسع لسنوات ووجدوها بسرعة متضمنة علاقات رامي مخلوف السياسية.

في هذه المرحلة حين تم كشف الملفات، أراد مسؤول في موساك فونسيكا، إسقاط رامي مخلوف مباشرة، ولكن أحد الشركاء في الشركة قاوم على أمل أن لا تفقد الشركة أعمالها.

الشريك، كريس زولينغر، كتب لزملائه: “هناك شائعات، ولكن ليس هناك حقائق أو تحقيقات معتمدة أو لوائح اتهام”.

وكان قد أطلع زملائه على محادثات بين موساك فونسيكا وبنك HSBC -وهو بنك مقره في بريطانيا، ومعظم أعمال مخلوف المالية كانت تتم عبره-  حيث قام البنك بالتأكيد لمكتب الخدمات القانونية أن مكاتب بنك HSBC الموجودة في جنيف ولندن تعلم بأمر رامي مخلوف وهي مرتاحة بالتعامل معه.

ويقول زولينغر: “إذا كانت هذا البنك ليس لديه أي مشكلة مع رامي مخلوف؛ إذاً بإمكاننا نحن أيضا قبوله”.

ومع ذلك، الشريك وافق أخيراً على فضّ الشركة بعد نقاش طويل مع زملائه وبعد تصاعد التحقيقات الرسمية حول امبراطورية رامي مخلوف المالية.

وأخبر زولينغر صحيفة “Süddeutsche Zeitung” الألمانية مؤخراً، أن تعليقه حول الموضوع في الإيميل كان مخطئاً وهو نادم عليه.

وأضاف أن موساك فونسيكا ليس لديها أي تأثير على الشركات المرتبطة مع رامي مخلوف، أما مخلوف فلم يستجب عند مطالبته بالتعليق.

جميع الحقوق محفوظة